حسن الأمين
107
مستدركات أعيان الشيعة
أبو الحسين جوهر بن عبد الله الصقلي ( 1 ) قال الدكتور موسى لقبال : جوهر القائد الذي أشرف على فتح مصر وبناء مدينة القاهرة ومسجدها ، هو من مسلمي جزيرة صقلية ، لذلك عرف بالصقلي ، كما وصف بالرومي ، لأن جزءا من الجزيرة كان بأيدي الروم ، وبالصقلبي أيضا ، كان من بين موالي الخليفة الفاطمي المنصور المقربين إليه . لم يظهر لجوهر دور هام ولم يلقب فيما يبدو ، قبل عصر [ المعر ] المعز لدين الله الذي عينه كاتبا في بدء خلافته ومن ثم عرف بلقب الكاتب . وبالقائد أو قائد أبي تميم ، وعبد المعز ومولى أمير المؤمنين مثل جوذر الصقلي الذي ظفر بهذا اللقب بعد موقعة كناية ، وعلت قيمته قبيل إرساله على رأس حملة ضد الثوار في أرجاء بلاد المغرب حتى قيل إنه رقي إلى رتبة الوزارة تشريفا له ، لكنه لم بلقب بلقب الوزير ولا بالإشراف على الدواوين وإنما كان بمثابة الواسطة بين الخليفة المعز لدين الله وكبار رجال الدولة حتى أن القاضي النعمان لما استطلع رأي المعز عما يقرأه يوم الجمعة من علوم أهل البيت على جماعة المؤمنين رد عليه بقوله : « أخرجنا لك ما تقرأه اليوم واجتمع بجوهر يكتبه لك » . وقد عاده المعز دين الله أثناء مرضه الخطير مبالغة في العناية به كما أسند إليه قيادة أضخم حملة لفتح مصر وفوض إليه التصرف في شؤونها بعد الفتح والاشراف على حركة التوسع منها ، في بلاد الشام . وقد أمر المعز لدين الله ، جميع رجال الدولة بما فيهم أولاده وإخوته وحجته عبد الله ، بان يترجلوا له ، وكان ذلك حدثا لم تجربه الرسوم . وقد الزم بذلك سائر الولاة ، والحكام ، وقد أمر حجاب جوهر جميع الوفود لاستقباله في الجيزة بالترجل له باستثناء الوزير ابن الفرات ، والشريف أبي مسلم . كذلك ترجل له سعادة بن حيان عندما قدم على رأس نجدة من بلاد المغرب . وعرف قبل انتقال المعز لدين الله بلقب النائب وخليفة المعز وكان إلى جانب الخليفة المعز على المنبر أثناء خطبة أول عيد فطر يقام بعد انتقاله إلى مصر . وعند ما منع المعز لدين الله من النداء عن زيادة منسوب النيل حتى يصل إلى مستواه العادي وهو ستة عشر ذراعا أمر بان لا يكتب بذلك إلا إليه أو إلى القائد الجوهر . ويبدو أن بروز أهمية عسلوج بن الحسن الصنهاجي ، ويعقوب بن كلس ، في سياسة الدواوين والأشراف على الأموال كان يعني الحد من صلاحيات جوهر القائد الذي احتفظ بنفوذه خاصة في الميدان العسكري . وكانت هزيمته أمام القرامطة في بلاد الشام ، أثناء حركة أفتكين بمثابة شارة على تراجع أمره ، وضعف سلطانه وقد اعتمد العزيز بالله على ابن كلس في تدبير شؤون الدولة وأبعد جوهر عنه لكنه كان يستشيره باطنا . ( 2 ) ولعل أوضح دليل على انصراف العزيز عنه أنه أمر كغيره من القادة بالترجل لمنجوتكين الذي قربه العزيز بالله . وقد شعر جوهر بما لحقه من مهانة فكان يدعو الله على نفسه بالموت : « وها أنا اليوم أمشي راجلا بين يدي منجوتكين ، اغزونا وأغزوا بنا غيرنا ، وبعد هذا فأقول : اللهم قرب أجلي ومدتي فقد أنفت على الثمانين أو أنا فيها » . وقد استجاب الله دعاءه فتوفي سنة 381 ه ( 991 - 992 م ) . ولما كان أعظم حدث في حياة ( جوهر ) هو فتحه لمصر ، فإننا نذكر فيما يلي المحاولات الأولى لهذا الفتح ، تلك المحاولات التي لم تنجح ، ثم نجحت على يد جوهر ، مكتوبا ذلك بقلم الدكتور موسى لقبال : لم يكن للدعوة الفاطمية التي انتشرت من دار الهجرة في سلمية إلى الآفاق البعيدة في المشرق ، وفي المغرب ، هدف مباشر ونهائي في دار الإسلام ، غير إسقاط نظام الخلافة العباسية وإحلال الخلافة العلوية محلها ، إحياء لمجد العلويين في المشرق ، وإنصافا لهم من الغاصبين . ( 3 ) ولما كان هذا الهدف لا يتحقق إلا في ظل نظام سياسي علوي قار ، يكون في منطقة ما من بلاد المشرق ، أو في إقليم وثيق الصلة به مثل مصر ، فقد اتجهت العناية في المرحلة الأولى من التوسع على حساب العباسيين لتحقيق الهدف نحو تأسيس أنظمة سياسية في الأطراف ، حيث تكون هذه بعيدة عن مركز الثقل العباسي ، وحيث توفر الأمن ، ويوجد استعداد من السكان الذين كانوا يميلون إلى تأييد دعوى العلويين بدافع حبهم لآل البيت وكانت هذه الخطة متقنة وحكيمة ، لأن الفاطميين استغلوا الأوضاع المختلفة في المناطق البعيدة في التمكين لأنفسهم ولحركتهم وفي الأعداد وفي التهيئة المعنوية والمادية ، قصد التسرب إلى المناطق الأخرى المجاورة ، تدريجيا كل ذلك في إطار الاحتراز من الاحتمالات السيئة والمفاجئات غير السارة . ومن ثم لم يكن رجال الدعوة الفاطمية منذ البدء راغبين في استقرار الدولة الفاطمية باليمن ، لفقرها وتطرفها حتى لو حصلت هجرة عبد الله المهدي إليها ، وأعلن منها الدولة العلوية ، كما لم يفكر أي خليفة من خلفاء الفاطميين في الاستقرار نهائيا في بلاد المغرب رغم أهمية موقعه وغناه وسعة مجالاته وتفتح أراضيه على عالم البحر المتوسط وإفريقيا ، والأرض الكبيرة . وإنما كان الفاطميون يعدون ليوم العودة إلى بيئتهم الشرقية التي غادروها مضطرين . وفي المشرق أنصارهم ومؤيدوهم ودعاتهم المنتشرون في الجزائر المختلفة ومنها مصر ، وباقي أراضي الخلافة العباسية . ومن ثم لم يكن للفاطميين خطة أخرى ، ثم حملهم عداء المالكية وثورات زناتة وبعدهم عن المشرق ، على تغييرها لأن الوجهة المشرقية للحركة الفاطمية ، ظهرت منذ عصر مبكر ، على لسان عبد الله المهدي قبل دخوله أرض مصر أثناء فراره إلى بلاد المغرب . فقد خاطب أحد ولاة الرملة المتشيعين الذي خشي عليه من رقباء العباسيين في الطريق ، بقوله : « طب نفسا ، وقر عينا ، فوالذي نفسي بيده ، لا وصلوا إلي أبدا ، ولنملكن أنا وولدي نواصي ولد العباس ، ولتدوسن خيولي بطونهم » . ( 4 ) ومثل هذا القول ، لا يدل إلا على وجود خطة ثابتة ضد العباسيين في المشرق ، كان من المفروض لها فيما يبدو أن تنفذ من سلمية لولا انكشاف أمر الحركة
--> ( 1 ) لا يخفى أن موضوع الكتاب هو الشيعة غير الزيدية والفاطمية ولكننا نسير في ( المستدركات ) على ما سار عليه المؤلف في الأصل من ذكره لبعض كبار رجال الشيعة من الزيديين والفاطميين ( ح ) . ( 2 ) كان ابن كلس من الناقمين على جوهر . ( 3 ) المقريزي : اتعاظ 2 ، 53 ص ط 1961 . ( 4 ) اليماني : سيرة جعفر 112 .